اقتصاد : التضخم يجبر المستهلكين ذوي الدخل المنخفض على شد أحزمتهم

27

اقتصاد : التضخم يجبر المستهلكين ذوي الدخل المنخفض على شد أحزمتهم حيث قبل استيعاب العالم لارتدادات جائحة كورونا وما أحدثته من موجة تضخمية أرهقت الاقتصادات والمستهلكين على حد سواء، جاءت الحرب الروسية الأوكرانية، لتزيد الطين بلة، محدثة موجة تضخم إضافية لم يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، لترفع تكاليف الغذاء والطاقة وبشكل أكثر حدة في الاقتصادات النامية مجبرة السكان على شد أحزمتهم.

ويرى خبراء اقتصاديون أن العالم يعيش حالياً في دوامة من الصعب الخروج منها بدون خسائر فادحة على المستويين الاقتصادي والمعيشي، على الرغم من الإجراءات التي تتخذها الدول لإبقاء التضخم تحت السيطرة، وخصوصاً ما يتعلق برفع أسعار الفائدة ما فرض مزيداً من الضغط على المستهلكين من خلال زيادة تكاليف الاقتراض، مشيرين إلى أن الحل يكمن في وقف الحرب في أوروبا فوراً أو استثناء السلع الرئيسة من العقوبات.

 

 ويقول الخبير الاقتصادي علي الحمودي في حديثه لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”: “المستهلكون من بريطانيا إلى الولايات المتحدة يشعرون بأزمة تضخم تعد الأكبر منذ عقود، حيث سجل التضخم السنوي في أميركا أعلى معدل له في 40 عاماً الشهر الماضي، بينما بلغ التضخم في بريطانيا أعلى مستوى في 30 عاماً ليصل إلى نحو 5.5%، وعل عكس الدول الغنية، فإن الصورة أكثر اختلاطاً بالنسبة للاقتصادات النامية نتيجة العوامل المحلية أيضاَ، حيث يضغط ارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة على ميزانيات الأسر، وفي تركيا على سبيل المثال، وصل التضخم إلى أكثر من 70% هذا الشهر وكان انهيار الليرة العام الماضي هو السبب الرئيس”.

أما في الأسواق الناشئة الأخرى، مثل البرازيل وروسيا والمكسيك، فيشهد المستهلكون ارتفاعاً سريعاً في المصروفات، ويرجع ذلك جزئياً، وفقاً للحمودي، إلى تأثير ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، لكنه يؤكد أن الأسواق الناشئة الكبرى لم تشهد جميعها زيادة ملحوظة في أسعار المستهلكين بسبب اختناقات العرض المرتبطة بالوباء، لا سيما في الصين التي يقترب التضخم فيها من 2٪ حيث لم يكن لنقص السلع نفس تأثير بقية الدول باعتبارها قوة تصنيع عالمية.

ويضيف الحمودي: “في البلدان التي يمثل فيها الغذاء جزءاً أكبر من سلة التضخم، يجبر ارتفاع الأسعار المستهلكين ذوي الدخل المنخفض على شد أحزمتهم ما يؤدي إلى تقليص الإنفاق على السلع الأخرى وإبطاء النمو الاقتصادي”.

 

 وبالنسبة لتحركات الدول في مواجهة الموجة التضخمية، يشير الخبير الاقتصادي الحمودي إلى أن “العديد من الاقتصادات الناشئة، مثل البرازيل وروسيا، اتخذت إجراءات لإبقاء التضخم تحت السيطرة من خلال رفع أسعار الفائدة لكن ذلك أدى إلى فرض المزيد من الضغط على المستهلكين عبر زيادة تكاليف الاقتراض، ويمكن للحكومات هنا اتباع سياسة نقدية انكماشية لتقليل المعروض النقدي داخل الاقتصاد”.

ويختم الحمودي بأن صانعي السياسات المالية والنقدية يدركون أن التضخم غير المنضبط يمكن أن يكون له آثاراً اجتماعية سلبية لأنه يولد الفقر في قطاعات كبيرة من السكان، إذ يجبر الأسر ذات الدخل المنخفض على تناول طعام أقل جودة ما قد يؤثر على النمو المعرفي لأطفالهم”.

بدوره، يوضح الدكتور عماد الدين المصبح أستاذ الاقتصاد، أن التضخم ظاهرة مرافقة أو متعايشة مع النظام الاقتصادي منذ ظهور النقود لتصبح أكثر تعبيراً عن نفسها مع ظهور النقود الورقية، لافتاً إلى أن التاريخ الحديث شهد موجات تضخمية عاصفة كالتي حدثت في أوروبا وبخاصة ألمانيا في الفترة ما بين الحربين العالميتين، وكذلك في دول أميركا اللاتينية التي شهدت خلال ثمانينات القرن العشرين موجات تضخمية لولبية تجاوزت في بعض السنوات 300%، بينما استغرقت الظاهرة في تركيا عقدين من الزمن (الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي).

ويشهد العالم الآن السيناريو ذاته مع حرب روسيا على أوكرانيا وتوقف إمداد الغاز والنفط والغذاء بشكل كلي أو نسبي من هاين البلدين، بحسب المصبح الذي أكد أن ظاهرة التضخم تتفاقم في فترات الحروب أو ما بعدها مباشرة.

ويشرح المصبح أن “السياسات النقدية المستحدثة (التيسير الكمي) لمواجهة شبح الركود خلال فترة جائحة كورونا أدت لوصول حجم الكتلة النقدية إلى أكبر مما ينبغي في مختلف الدول وبخاصة في الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا، ما أفرز ارتفاعاً كبيراً في مستويات أسعار المستهلكين في هذه الاقتصادات، ولكبح جماح التضخم، رفعت أغلب الدول أسعار الفائدة في حين خفضت تركيا أسعار الفائدة لمعالجة الخلل النقدي الناجم عن المبالغة في أسعار الفائدة على الودائع بالعملات الأجنبية.

 

 ويؤكد الدكتور المصبح أن “ارتفاع الأسعار سوف يلقي بظلاله على الدول النامية، بسبب ارتفاع فاتورة وارداتها من الغذاء بكل أساسي، بينما في البلدان مرتفعة الدخل فإن شريحة واسعة من المستهلكين تعتمد على دخول ثابتة، غير مرنة أي لا تتحرك بحركة الرقم القياسي لأسعار المستهلكين (CPI) وبالتالي فإن التضخم بمعدلاته الراهنة سوف يأتي على القدرة الشرائية لهذه الدخول، وسوف يخفض القدرة الشرائية لهذه لفترة ليست قصيرة، ريثما يتم تعديل الأجور، وهي العملية التي ستنقلنا مجدداً إلى مستويات أعلى من التضخم، وبالتالي فإن الحل يكمن في وقف الحرب في أوروبا فوراً أو استثناء السلع الرئيسة من العقوبات”.

وينوه المصبح إلى الدول التي فرضت العقوبات على روسيا ربما تضررت أكثر من روسيا نفسها، متوقعاً أن يستمر هذا السيناريو لأربعة أشهر مقبلة إذا لم يتم وقف الحرب، ريثما يتم تأمين مصادر بديلة للطاقة وللحبوب وبقية عناصر السلة الغذائية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.